قال ويليام كينان محلل شؤون الشرق الأوسط إن الأمن الاستراتيجي لإسرائيل يعتمد على غزة، وليس على الإمارات العربية المتحدة، وذلك بعد أن ساد على مدى السنوات الست الماضية، خطابٌ محددٌ في أوساط الإعلام المؤيد لإسرائيل، مفاده أن مستقبل استقرار الشرق الأوسط لا يكمن في حل القضية الفلسطينية، بل في تعميق العلاقات مع الدولة الخليجية.
وأضاف في تحليل نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، أنه في هذا الخطاب، تُصوَّر الإمارات كفاعل عربي رائد، وشريك إقليمي مسؤول، والدولة الأكثر التزامًا بالحوار والتحديث. أما غزة، فتُعامل كقضية إنسانية هامشية. إلا أنه في الحوار الإسرائيلي الإماراتي، لا يتم التقليل من شأن الشرعية السياسية الفلسطينية فحسب، بل تُطمس تمامًا. وتُهمَّش الدول التي تملك فعليًا مفاتيح دبلوماسية غزة - قطر ومصر وتركيا والسعودية - تهميًشً كاملاً.
واعتبر أنه "لطالما كانت هذه الرواية معيبة تحليليًا. لكن أحداث العام الماضي كشفت مدى خطورتها الاستراتيجية على إسرائيل نفسها. فبتصرفها وكأن غزة هامشية والإمارات مركزية، أساءت إسرائيل فهم بنية المنطقة، وأخطأت في تقدير مصادر الشرعية العربية، وأخطأت في حساب البيئة الدبلوماسية التي تعمل فيها. والنتيجة هي مستوى غير مسبوق من العزلة الدولية والانكشاف الاستراتيجي".
غزة كمركز ثقل استراتيجي إقليمي
وشدد كينان على أن غزة ليست مجرد ساحة معركة أو أزمة إنسانية، بل أصبحت مركز ثقل استراتيجي إقليمي، حيث يُحدث حتى التقاعس عن العمل فيها آثارًا استراتيجية دولية.
وتابع: "تُحدد غزة بنية الشرعية للعالمين العربي والإسلامي، وتُشكل النطاق السياسي للولايات المتحدة، وتُحدد حيز المناورة الدبلوماسية للسعودية، وتُرسخ سلطة الوساطة لقطر ومصر، وتؤثر على الموقف السياسي لتركيا وباكستان، وتمنح إيران نفوذًا سرديًا لا يمكن لأي ضغط عسكري أن يمحوه".
وأوضح: "كل ملف إقليمي رئيس - لبنان، اليمن، ممر البحر الأحمر، التطبيع، وحتى إيران - يعود في نهاية المطاف إلى غزة"، مشيرًا إلى أنه "كان هذا صحيحًا قبل الحرب الحالية بزمن طويل، ولا يزال كذلك اليوم. لطالما كانت فكرة أن إسرائيل قادرة على بناء نظام إقليمي جديد من خلال دعم الإمارات العربية المتحدة وتهميش غزة مجرد وهم. فالمنطقة لا تسير على هذا النحو، والشرعية لا تُبنى بهذه الطريقة".
السعودية: الفاعل العربي المركزي الذي لا تستطيع إسرائيل تجاوزه
ورأى المحل الإسرائيلي أنه "إذا كانت هناك دولة عربية واحدة يحدد موقعها مسار الدبلوماسية الإقليمية، فهي المملكة العربية السعودية. فالرياض هي حامية أقدس موقعين في الإسلام، وركيزة جامعة الدول العربية، والدولة التي تُشكّل قراراتها الحيز السياسي لجميع الحكومات العربية الأخرى. المملكة العربية السعودية - لا الإمارات - هي التي تمتلك ورقة الشرعية العربية الأساسية في القضية الفلسطينية".
وتابع: "لا يمكن للرياض أن تُطبع علاقاتها مع إسرائيل دون مسار فلسطيني ذي مصداقية. ولا يمكنها ادعاء القيادة الإقليمية في ظل إنكار واضح للشرعية السياسية الفلسطينية. كما لا يمكنها الانحياز علنًا إلى إسرائيل ما دامت غزة رمزًا للمظالم العربية والإسلامية". ورأى أن "عجز السعودية عن المضي قدمًا في التطبيع دليلٌ قاطع على أن غزة، لا الإمارات، هي المحور الحقيقي الذي ترتكز عليه الدبلوماسية الإسرائيلية الإقليمية".
واعتبر أن "أي نظام إقليمي يتجاهل مركزية السعودية يفتقر إلى الجدية التحليلية. وأي سردية تُعلي من شأن الإمارات وتُهمّش الرياض مضللة استراتيجيًا. وأي استراتيجية إسرائيلية تعتبر التطبيع مع السعودية أمرًا ممكنًا دون عملية دبلوماسية محورها غزة محكوم عليها بالفشل".
الإمارات لا تستطيع تلبية احتياجات إسرائيل
وقال كينان إنّ "الخطاب الإعلامي المؤيد لإسرائيل، والذي يصوّر الإمارات العربية المتحدة كفاعل عربي رئيس، ليس خاطئًا فحسب، بل هو مضلل استراتيجيًا. فالإمارات غنية ونافذة، ومندمجة بعمق في الشبكات الأمنية والاقتصادية الغربية، لكنها لا تمثل العالم العربي أو الإسلامي في القضية الفلسطينية، ولا تتمتع بالشرعية في ملف غزة، كما أنها تفتقر إلى السلطة السياسية والاجتماعية اللازمة لتحقيق القبول الإقليمي الذي تسعى إليه إسرائيل".
وفي العالمين العربي والإسلامي، أشار كينان إلى أنه "يُنظر إلى الإمارات العربية المتحدة على نطاق واسع على أنها ضحّت بالحقوق الفلسطينية مقابل مكاسب اقتصادية وأمنية. ويُنظر إليها على أنها متحالفة مع إسرائيل، ومنفصلة عن الرأي العام العربي، ومُخالفة تمامًا للتوقعات الأخلاقية والسياسية للمنطقة".
وأكد أن "هذا التصور ليس رأيًا هامشيًا، بل هو الرأي السائد. كان تطبيع الإمارات مع إسرائيل مدفوعًا بنخبوية، لا بشرعية. ولا يمكنها ترسيخ إجماع إقليمي بشأن غزة لأنها لا تملك الشرعية اللازمة للتحدث باسم أي جهة أخرى".
وعلى النقيض من ذلك، وصف السعودية وقطر ومصر - الدول العربية الثلاث التي تم محوها باستمرار من السردية المؤيدة لإسرائيل – على أنها الجهات الفاعلة التي لا غنى عنها في دبلوماسية غزة.
قطر ومصر: الوسيطان اللذان لا غنى عنهما
واعتبر أن قطر هي الدولة الوحيدة التي تملك النفوذ الفعال على حماس، وتحافظ على قنوات اتصال مع كل من واشنطن وطهران. وهي الدولة الوحيدة التي تحظى بثقة جميع الأطراف بما يكفي للتوسط في مفاوضات الرهائن، وأطر وقف إطلاق النار، والترتيبات السياسية.
وتسيطر مصر على رفح وقناة السويس والبنية الأمنية للبحر الأحمر. وتتواجد أجهزة استخباراتها في كل مفاوضات غزة. أي نموذج لإدارة غزة، وأي وقف لإطلاق النار، وأي خطة لإعادة الإعمار، لا يمكن تحقيق أي منها بدون الدوحة والقاهرة.
وأشار إلى أن تجاهل قطر ومصر ليس مجرد سهو، بل هو خطأ في التصنيف. فهما ليستا فاعلتين هامشيتين، بل هما عنصران أساسيان في النظام.
الارتداد الاستراتيجي: عزلة إسرائيل
لم تُعزز محاولة تهميش الفلسطينيين من المعادلة السياسية، وتضخيم دور الإمارات العربية المتحدة كصوت عربي، موقف إسرائيل، بل أضعفته، كما يذهب المحلل الإسرائيلي.
فقد باتت إسرائيل اليوم أكثر عزلة في الرأي العام العالمي مما كانت عليه عقب مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982. وتواجه ضغوطًا دبلوماسية غير مسبوقة في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتراجعت شعبيتها في دول الجنوب العالمي. وحتى في الولايات المتحدة، أصبح الدعم السياسي أكثر مشروطية، وأكثر جدلاً، وأكثر انحصارًا في قاعدة إنجيلية متضائلة.
ورأى أن هذا العزل ليس نتيجة لنتائج المعارك، بل هو نتيجة انهيار شرعية متمركزة حول غزة. فبتصرفها وكأن غزة دولة هامشية، أساءت إسرائيل فهم بنية النظام الإقليمي، وأساءت تقدير حدود سلطة الإمارات التمثيلية، وأساءت فهم مركزية الشرعية السياسية الفلسطينية، وأساءت فهم البيئة الدبلوماسية التي تعمل فيها".
وقال في هذا الإطار إن الحرب الإيرانية وما تلاها كشفت عن الفجوة بين الرواية والواقع. غزة ليست هامشية، بل هي مركزية. والانكشاف الاستراتيجي لإسرائيل هو نتيجة مباشرة لمحاولتها تجاهل هذا الواقع.
الدبلوماسية كضرورة استراتيجية
ومضى كينان إلى القول بأن إسرائيل لا تستطيع التحكم في كيفية استجابة الفلسطينيين أو الإيرانيين للدبلوماسية، ولا يمكنها ضمان نجاح المفاوضات. لكنها تستطيع التحكم في كيفية النظر إليها، سواءً كمناصرة للدبلوماسية أو كمخربة لها. وللانطباع أهمية بالغة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتظاهر الأخلاقي كما يشير، بل بضرورة استراتيجية. فالنظام الدولي لن يقبل بنظام إقليمي قائم على محو القضية الفلسطينية. ولا يمكن للسعودية أن تُطبع العلاقات دون مسار فلسطيني موثوق. ولا يمكن لقطر ومصر أن تتوسطا دون دعم إسرائيلي. ولا يمكن لإسرائيل أن تستعيد أمنها الاستراتيجي دون استعادة شرعيتها الدبلوماسية. فالدبلوماسية ليست تنازلاً، بل هي رصيد استراتيجي.
الطريق إلى الأمام يمر عبر غزة
وخلص كينان إلى أن طريق الأمن الإسرائيلي لا يمر عبر أبو ظبي، بل يمر عبر غزة. ويمر عبر عملية دبلوماسية تعترف بالفاعلية السياسية الفلسطينية، وتُشرك السعودية وقطر ومصر وتركيا كجهات فاعلة لا غنى عنها، وتُوَحِّد إسرائيل مع التوقعات الدولية بأن الدبلوماسية - لا القوة - هي الأسلوب الأمثل لتشكيل مستقبل المنطقة.
وأكد أنه لا تحتاج إسرائيل إلى ضمان النجاح، بل إلى ضمان بذل الجهد. لأن البديل واضح: استمرار العزلة، والانكشاف الاستراتيجي، وبيئة إقليمية تتشكل بشكل متزايد من قبل جهات فاعلة تفهم مركزية غزة أفضل من صانعي الرواية الإسرائيلية أنفسهم.
ويعتمد الأمن الاستراتيجي لإسرائيل بشكل أساسي على غزة والضفة الغربية. لطالما كان الأمر كذلك.
https://blogs.timesofisrael.com/israels-strategic-security-hinges-on-gaza-not-the-uae/

